history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

نانسي حبيب

"انظروا حولكم.. أعلى مبنى في العالم موجود في تايباي، وقريبا يصبح في دبي. والشركة الأكبر المطروحة للتداول في سوق الأسهم موجودة في بكين. والمصفاة الأكبر قيد البناء في الهند. وطائرة الركاب الأكبر تصنع في أوربا. والصندوق الاستثماري الأكبر في الكرة الأرضية موجود في أبو ظبي، وصناعة الأفلام الأكبر تتمثل بـ"بوليوود" وليس "هوليوود". لقد اغتصب سكان البلدان الأخرى رموزاً كانت أمريكية من قبل. وأكبر كازينو موجود في مكاو التي تفوقت على لاس فيجاس في عائدات القمار العام الماضي. لم تعد أمريكا تسيطر حتى على رياضتها المفضلة التسوق، كان "مول أوف أمريكا" في مينسوتا يتباهى في السابق بأنه أكبر مركز تسوق في العالم، أما الآن فلا يرد اسمه بين أول عشرة مراكز. وفي أحدث التصنيفات، اثنان فقط من العشرة الأكثر ثراء في العالم أمريكيان... هذه اللوائح عشوائية وسخيفة بعض الشيء، لكن فكروا في أنه قبل عشر سنوات فقط كانت الولايات المتحدة تتصدر بسهولة كل هذه الفئات تقريباً".

هكذا، وببداية صادمة يلخص "فريد زكريا" ما يريد أن يقوله في كتابه الجديد (عالم ما بعد أمريكا). و"فريد زكريا" هندي الأصل يحمل الجنسية الأمريكية، حاصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة هارفارد، ويقدم برنامجاً تليفزيونياً على البي بي إس بعنوان (التبادل الخارجي) كما أن له مقالاً شهرياً في الواشنطن بوست، ويعمل كمحلل سياسي في شبكة أي بي سي. عمل محررا لمجلة فورين إفيرز، وقام بتدريس العلاقات الدولية، وأصول السياسة الدولية في جامعات هارفارد وكولومبيا. وهو عضو بارز في مجلس جامعة ييل، واللجنة الثلاثية، ومجلس العلاقات الخارجية. له العديد من الكتب منها كتاب (مستقبل الحرية) الذي ترجم إلى 18 لغة، ويعرف في الشرق الأوسط بكونه رئيس تحرير الطبعة الدولية في مجلة نيوزويك التي نشرت ملخصا لكتابه الأخير (عالم ما بعد أمريكا).


فريد زكريا

يرى زكريا أن الولايات المتحدة انشغلت كثيرا عن قيادة العالم مما تسبب في صعود قوى جديدة قائلاً: "بينما نتجادل حول أسباب كرههم لنا يكملون هم طريقهم، ويُبدون الآن اهتماماً أكبر بكثير بأجزاء أخرى من الكرة الارضية أكثر دينامية. لقد تحول العالم من العداء لأمريكا إلى ما بعد الأمركة". لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن الولايات المتحدة صنعت سلاماً ما زال قائما حتى الآن، وإن كان قد اقترب من نهايته حيث يؤكد أن ما نعاصره الآن هو التحول الكبير الثالث في النفوذ في العصر الحديث، وذلك بعد التحول الأول بصعود العالم الغربي في القرن الـ15 تقريباً، وقد انبثق عنه العالم كما نعرفه الآن، العلوم والتكنولوجيا، التجارة والرأسمالية، الثروات الصناعية والزراعية. كما أنه أدى إلى السيطرة السياسية المطولة لدول العالم الغربي. والتحول الثاني الذي حصل في السنوات الأخيرة من القرن الـ19، وهو صعود الولايات المتحدة. ويقول "زكريا": "ما إن تحولت الولايات المتحدة إلى بلد صناعي حتى باتت الدولة الأكثر نفوذاً في العالم، وأصبحت أقوى من أي مجموعة محتملة من الدول الأخرى.. في السنوات الـ20 الأخيرة لم تواجه مكانة أمريكا كقوة عظمى تحديات كبيرة، وهو أمر لم يحصل من قبل في التاريخ على الأقل منذ سيطرة الإمبراطورية الرومانية على العالم قبل ألفي عام. وخلال هذا السلام الأمريكي تسارع الاقتصاد العالمي بصورة دراماتيكية. وهذا التوسع هو المحرك وراء التحول الثالث الكبير في النفوذ في العصر الحديث، صعود البقية".

تراجع السيطرة الأمريكية
وفيما لا نزال نعيش في عالم أحادي القطب على المستوى العسكري والسياسي إلا أن السيطرة الأمريكية تتضاءل في كل الأبعاد الأخرى، الصناعي والمالي والاجتماعي والثقافي. ويقول "زكريا": إن العالم ما بعد الأمريكي لن يحدده تراجع الولايات المتحدة وإنما صعود الباقين. ورغم هذا فإن الولايات المتحدة -من وجهة نظره- حققت الكثير، فمنذ 11 سبتمبر، لم يتمكن تنظيم القاعدة المركزي أي الزمرة التي يقودها "ابن لادن" من تنفيذ هجوم إرهابي كبير واحد في الغرب أو البلدان العربية التي هي أهدافه في الأساس. وبعد أن كانوا يمارسون الإرهاب أصبحوا يصنعون أشرطة الفيديو، ويقول "زكريا": إنه سيأتي يوم يحالفهم الحظ من جديد لكن كبحهم منذ سبع سنوات على الأقل يشير إلى أنه في هذه المعركة بين الحكومات والمجموعات الإرهابية لا داعي لأن تصاب الحكومات بالإحباط.

وإن كان البعض لا يزال يشير إلى الدول التي تصفها الولايات المتحدة بالمارقة مثل إيران، فإن المشكلات الحالية لا تضاهي مخاطر ألمانيا قديما، أو الطموحات التوسعية للاتحاد السوفيتي عندما كانتا قوتين عظميين عالميتين مصممتين على السيطرة على العالم، لكن الآن الاقتصاد الأمريكي أكبر من الاقتصاد الإيراني بـ68 مرة، وبمقاييس عام 1938 فإن إيران هي رومانيا وليست ألمانيا.

ويعود "زكريا" من جديد ليؤكد السيطرة الأمريكية بقوله: إنه بحسب المعايير التاريخية فإن القوى العظمى الصاعدة حاليا هي دول حميدة نسبيا، ويبرهن على ذلك بأنه لأول مرة في التاريخ تستطيع الولايات المتحدة أن تعترض على التأثير الروسي في أوكرانيا -وهو بلد يقع على بعد 4800 ميل من واشنطن سيطرت عليه روسيا أو حكمته طوال 350 عاما- وهو مؤشر على توازن القوى بين الغرب وروسيا.

أمريكا تسيطر؛ لأن العمالقة الحقيقيين لم يعملوا بعد!
ويتميز العالم الآن بنمو اقتصادي هائل، صحيح أن الولايات المتحدة كانت تسيطر على العالم الصناعي المتقدم. لكن العمالقة الحقيقيين مثل الصين والهند والبرازيل كانوا غير قادرين على -أو غير راغبين في- الانضمام إلى عالم الاقتصادات التي تعمل كما يجب. أما الآن فهذه البلدان تتحرك، ونظراً إلى حجمها فلا شك في أنها ستترك بصمة كبيرة على خريطة المستقبل. ويصاحب هذا الاقتصاد النامي مجتمع جديد يظهر، وثقافة مفعمة بالحيوية وشعور متنامٍ بالاعتزاز الوطني. هذه القومية تنتج من إحباط نتيجة قبول روايات أمريكية وغربية عن تاريخ العالم تعطي هذه البلاد النامية أدواراً صغيرة، وطالما اغتاظ الروس من الطريقة التي تتذكر بها البلدان الغربية الحرب العالمية الثانية، وهي في الرواية الأمريكية تؤكد أن الولايات المتحدة وبريطانيا تهزم قوى الفاشية في إنجاز بطولي.

قديماً لم يكن هناك سوى الروايات التي تقدمها نيويورك تايمز وتايم ونيوزويك وبي بي سي والـ"سي إن إن"، أما الآن فهناك عشرات الشبكات والقنوات المحلية، من الجزيرة إلى "إن دي تي في" في نيودلهي فـ"تيليسور" في أمريكا اللاتينية. والنتيجة هي أن "البقية" تعمد الآن إلى تشريح افتراضات الغرب ورواياته وتقديم وجهات نظر بديلة. ولجوء الدول الصاعدة إلى طرح أفكارها ومصالحها يثير تساؤلاً عن كيفية صنع عالم يضم فاعلين كُثُر يعملون معا. ويرى "زكريا" أن "التحدي المطروح علينا هو الآتي: سواء كانت المشكلة خلافا تجاريا أو مأساة في مجال حقوق الإنسان كما في دارفور، أو تغيرا مناخيا.... الحلول الوحيدة التي ستنجح هي تلك التي تشارك فيها دول عدة، لكن التوصل إلى حلول في وقت يشعر فيه مزيد من البلدان واللاعبين غير الحكوميين أنهم أصبحوا ممكنين سيكون أصعب من أي وقت آخر".

أمريكا تستمد قوتها من المهاجرين
في كتابه (العولمة تشن هجوما مضادا) كتب "غابور شتينغارت" أنه بينما تزدهر البلدان الأخرى، خسرت الولايات المتحدة صناعات أساسية، وتوقف سكانها عن ادّخار المال، وازدادت ديون حكومتها لدى المصارف المركزية الآسيوية. وجاءت الأزمة المالية الحالية لتعزز هذه المخاوف. لكن "زكريا" يخالفه الرأي فالولايات المتحدة تستفيد من القوى المهاجرة على عكس الدول الآسيوية الصاعدة، وبالتالي فإن بقاءها على القمة يعتمد على سياسات وقوانين الهجرة، وهو الأمر الذي يراه نقطة قوة أمريكا الكبرى، والتي لا يمكن التغلب عليها على الأرجح؛ لأنها المجتمع الأكثر انفتاحا ومرونة في العالم، والقادر على استيعاب أشخاص آخرين وثقافات وأفكار وسلع وخدمات أخرى، كما أنها تتأقلم وتتكيف مع هذا العالم الجديد. لكن المشكلة هي في الحكومة الأمريكية؛ فلقد اعتادت واشنطن على عالم حيث كل الطرقات تقود إلى عتبة بابها، وطالما كانت متقدمة عنه بأشواط لكن سكان البلدان الأخرى أصبحوا ماهرين في الرأسمالية، والثغرة تضيق.

على المستوى الاقتصادي يربح الجميع لكن على المستوى السياسي هي معركة نفوذ، ومع صعود البقية أصبح تأثير أمريكا غير المكبوح يتراجع.. والحل من وجهة نظر "زكريا" أنه بدلا من الهوس الضيق بالمصالح القصيرة الأمد، ومجموعات المصالح، يجب أن تكون الأولوية في إشراك هذه القوى الصاعدة في النظام العالمي ودمجها؛ كي تساهم بدورها في توسيع الروابط الاقتصادية والسياسية والثقافية العالمية وتعميقها. فإذا شعرت الصين والهند وروسيا والبرازيل أن لديها مصلحة في النظام العالمي القائم ينحسر خطرها وقدرتها على التسبب بالحروب والإحباط والذعر والانهيار. وهنا سيخرج الجميع رابحا.

أمريكا لم تفهم صعود البقية
ولكي ينجح هذا النظام يجب أن تلتزم به أمريكا، فحتى الآن كانت الولايات المتحدة صانعة القواعد العالمية، لكنها لا تتقيد دائما بقواعد اللعبة، ولكن لكي تستمر أمريكا في قيادة العالم يجب أن تنضم إليه أولا. فالحكومة الأمريكية لم تفهم صعود البقية.

طوال 60 عاما شجعت الولايات المتحدة البلدان على فتح أسواقها وتحرير سياساتها وتبني التجارة والتكنولوجيا. وقام الدبلوماسيون ورجال الأعمال والمثقفون الأمريكيون بتشجيع الناس على عدم الخوف من التغيير، وعلى الانضمام إلى العالم المتقدم وتعلم أسرار نجاح الأمريكيين. ويلخص "زكريا" المشكلة قائلاً: "بينما بدأوا هم يفعلون ذلك، نخسر نحن إيماننا بهذه الأفكار.. أصبحنا نشك في التجارة والانفتاح والهجرة والاستثمار؛ لأنه لم يعد الأمريكيون هم الذين يذهبون إلى الخارج بل بات الأجانب هم من يأتون إلى أمريكا. وفي الوقت الذي ينفتح فيه العالم، ننغلق نحن على أنفسنا".

باختصار، فإنه لكي تنجح الولايات المتحدة في عالم ما بعد أمريكا لا بد أن تستوعب صعود البقية حتى لا تكون قد نجحت في عولمة العالم لكنها نسيت أن تعولم نفسها.


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني