بدر حسن شافعي

هل ما حدث في السودان مؤخراً من محاولة إحدى حركات التمرد في دارفور السيطرة على العاصمة الخرطوم يعد شأناً داخلياً لا يخص مصر في شيء؟ وأن مصر ينبغي أن تنشغل –في المقابل- بقضاياها الداخلية، خاصة ما يتعلق بموجة الغلاء؟ الواقع أن مفهوم الأمن القومي لا يقتصر فقط على الأوضاع الداخلية في البلد، وإنما قد يمتد إلى الأوضاع الخارجية التي يمكن أن تؤثر على البلد بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
النزوح الجماعي للاجئين..

وبالتالي لا يمكن اعتبار ما يحدث في السودان شأن داخلي لا يخص الأمن القومي المصري لعدة أسباب منها أن عدم الاستقرار السياسي في السودان، قد يكون له آثار اقتصادية وسياسية سيئة على مصر، ففي حالة حدوث قلاقل في الخرطوم مثلاً كتلك التي حدثت مؤخراً، فإنه سيترتب على ذلك حدوث نزوح جماعي للاجئين الفارين من الحرب تجاه دول الجوار، ومن بينها مصر، ونحن نعلم أن هؤلاء اللاجئين قد يشكلون عبئاً على مصر سواء في النواحي الاقتصادية، أو حتى الأمنية؛ لأن هؤلاء اللاجئين قد يهربون ومعهم السلاح، وقد يفكرون في استخدام الأراضي المصرية في شن هجوم مضاد داخل الأراضي السودانية، كما أن بعضهم قد يفكر في التغلغل داخل الأراضي المصرية لحساب دول أخرى تهتم بزعزعة الأمن القومي المصري، خاصة بعدما أثبتت أحداث أزمة جنوب السودان، وأزمة دارفور وجود علاقات إسرائيلية سواء مع الجيش الشعبي لتحرير السودان في الجنوب، أو بعض حركات التمرد في دارفور مثل حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد النور الذي افتتح قبل شهرين تقريباً مكتبا لحركته في تل أبيب. ولعل هذه المخاوف تزداد مع كثرة محاولات تغلغل لاجئي دارفور إلى إسرائيل عبر الحدود المصرية، حيث قامت السلطات المصرية بالقبض على العديد منهم .لكن يبدو أن محاولات التغلغل لن تنتهي.
دولة النوبة القديمة..

كما أن الجميع يتذكر مشكلة اللاجئين السودانيين في ميدان المهندسين قبل ثلاثة أعوام تقريباً واعتصام هؤلاء في هذا الميدان بسبب رفض مفوضية اللاجئين منحهم حق صفة لاجئ، مما اضطر السلطات الأمنية المصرية إلى تفريق هذا التجمع من خلال القوة. وهو ما أثر بالسلب على العلاقة بين البلدين. بالإضافة إلى أن شمال السودان-الذي يعد نقطة التماس المباشرة مع الحدود المصرية– بدأت تظهر فيه بعض الحركات التي يمكن أن تشكل تهديداً للأمن القومي المصري مثل حركة كوش، وهي حركة تسعى لإقامة دولة النوبة القديمة في مصر والسودان. أي أنها تطالب باستقلال النوبيين عن مصر والسودان وتشكيل دولة النوبة، وهو بالطبع أمر يمس الأمن القومي في الصميم، خاصة أنه يرغب في اقتطاع جزء من الأراضي المصرية، وهناك مخاوف فعلية من أن تلعب الولايات المتحدة على سبيل المثال بورقة النوبة من أجل الضغط على النظام المصري. ومما يزيد من هذه المخاوف أن المجتمع النوبي غير مختلط ومنصهر بصورة كبيرة في المجتمع المصري، خاصة فيما يتعلق بعادات الزواج والمصاهرة، إذ من الصعب أن يتزوج النوبي من غير نوبية.
الندرة المائية..

وقد يؤثر حدوث قلاقل في السودان على إمكانية زيادة حصة مصر من مياه النيل مستقبلاً، فمصر تشهد حالياً حالة من الندرة المائية، حيث أدى تزايد عدد السكان، مع ثبات كمية المياه الواردة إلى مصر منذ اتفاقية 1959 (تقدر بـ55 مليار متر مكعب سنويا) إلى وجود حالة من الندرة المائية، حيث تعيش مصر الآن تحت خط الفقر المائي (مقدار هذا الخط ألف متر مكعب للفرد سنوياً، في حين يبلغ متوسط دخل الفرد المصري من المياه 985 متراً مكعباً عام 2000، ويتوقع أن يصل إلى 500 متر مكعب فقط عام 2020). ومعنى ذلك أن مصر مطالبة بتوطيد علاقاتها مع دول حوض النيل خلال الفترة القادمة، ومحاولة التوصل لاتفاقيات جديدة تسمح بزيادة كميات المياه الواردة إليها، ومعروف أن مياه النيل هي شريان الحياة لكل المصريين، ومن ثم، فإن المساس بها يعد قضية أمر قومي بدون أدنى شك وفق التعريف السابق. لذا فإن حدوث قلاقل في السودان، أو تفتيه إلى أربع دول (دولة في الشمال حيث العاصمة الخرطوم، وأخرى في الغرب حيث دارفور، وثالثة في الجنوب، حيث قوات الجيش الشعبي، ورابعة في الشرق حيث قوات البجا) قد يجعل هناك صعوبة مصرية في التفاوض المستقبلي حول زيادة حصة مصر من المياه، ومعروف أن حصة مصر بالكامل من المياه تأتي عبر الأراضي السودانية من خلال النيلين الأبيض والأزرق.
ولعل الأسباب السابقة تكشف لنا أن أي مساس بالاستقرار في السودان هو مساس بالأمن القومي المصري، ومن ثم فإن مصر ترغب دائماً في البقاء على استقرار السودان ومنع تفتيته وتجزئته إلى أقاليم فرعية، أو حتى إضعافه كما ترغب في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل.. ومن ثم فإن مصر تعارض انفصال جنوب السودان، وسبق أن قدمت مبادرة بمشاركة ليبيا لا تتضمن حق تقرير المصير للجنوب، لكن تم استبعاد هذه المبادرة.. ومن هنا يمكن فهم ما ردده بعض شهود العيان السودانيين في الأزمة الأخيرة من وجود ثلاث طائرات مصرية مقاتلة وطائرة شن عسكرية تهبط في مطار الخرطوم لدعم النظام السوداني. وبغض النظر عن صحة الخبر من عدمه، فإن الأمر الذي لا جدال فيه هو أن أحداث السودان قضية أمن قومي مصري.


