history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

نانسي حبيب

ربما لا يعرف عنه البعض سوى أن كتائب "عز الدين القسّام" تحمل اسمه، وربما لا يكون له تأثير مباشر على ما حدث في فلسطين بعدها، أو على النكبة.. لكن "عز الدين القسّام" كان له أثر كبير في اندلاع ثورة 1936 ومقاومة الحركة الصهيونية في بدايتها.

كان "القسّام" يعتبر الاحتلال البريطاني عدوه الأول، وأن محاربته لابد أن تتخذ شكل الثورة المسلحة، لكنه كان يرى أيضاً أن النفوذ الصهيوني يتزايد، ومن ثم فلابد من مقاومته. وهو الأمر الذي عمل على نشره منذ استقراره في فلسطين بالقرب من حيفا 1922 -"القسّام" سوري الأصل سافر إلى القاهرة للدراسة في الجامع الأزهر، ثم عاد إلى سوريا قبل أن يسافر بعدها إلى فلسطين- وعرف فيه الناس وقتها الواعظ الديني والخطيب البارع والمأذون الشرعي، واكتسب حبهم واحترامهم، لكنه أثناء وعظه وتدريسه كان يعمل على اختيار الصالحين من المستمعين ليجمع منهم المجاهدين. وكان دائماً ما ينبه إلى خطورة الهجرة اليهودية من خلال إلقائه الخطب في المساجد والمناسبات الاجتماعية كالأفراح، كما أسس المدارس وفصول محو الأمية وتعليم الصغار.

وأثناء إحدى خطبه أخرج سلاحاً من تحت ثيابه قائلاً: "من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فليقتنِ مثل هذا" وهو ما تسبب في دخوله السجن، لكن إضراباً عاماً من مؤيديه أدى إلى الإفراج عنه. وكان يؤكد دائماً أن الإسراف في زخرفة المساجد حرام، وأنه يجب شراء السلاح بدلاً من الثريات الفاخرة. ثم أسس بعدها جمعية الشبان المسلمين ليستطيع من خلالها الدعوة إلى الجهاد وأصبح رئيساً لها عام 1926 وكانت هذه هي بداية تشكيله لتنظيم مسلح يعتمد على الفلاحين والباعة الجائلين والصناع، وقد استطاع هذا التنظيم القيام ببعض العمليات الفدائية ضد المستوطنات الصهيونية والاحتلال الإنجليزي.

وكانت الخلايا السرية منظمة تنظيماً دقيقاً، فكل خمسة أشخاص مسئول عنهم نقيب، وكل خمس وحدات لها نظامها الخاص والمشرف عليها بمختلف المهمات هو "القسّام" نفسه. ورغم هذا فلم يطلق عليها "القسّام" اسماً محدداً، لكنهم أطلقوا عليهم بعد وفاته "القسّاميون" وبعدها بدأ يجمع التبرعات من الأهالي لشراء الأسلحة.

واستمرت جهود "القسّام" وخطبه تشعل حماسة المجاهدين حتى آخر خطبة له في حيفا والتي وقف فيها في جامع الاستقلال يشرح آية 13 سورة التوبة "أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" قائلاً لهم: "أيها الناس.. لقد علمتكم أمور دينكم، حتى صار كل واحد منكم عالماً بها، وعلمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد ، فإلى الجهاد أيها المسلمون، إلى الجهاد أيها المسلمون".. وفور إنهائه الخطبة أقبل عليه المصلون وعاهدوه على الجهاد في سبيل الله، وبعدها بدأت السلطات تبحث عنه لكنه كان قد حمل بندقيته وخرج مع مجموعة إلى الجبال.. لكن القوات البريطانية استطاعت أن تعرف موقعه وحاصرته طالبة منه الاستسلام، وهنا لم يكن أمامه إلا الاستسلام أو الفرار أو المواجهة مهما كانت التضحيات وعدم التكافؤ واختار المواجهة.

وكانت القوات البريطانية قد وضعت الشرطة العربية في الخطوط الهجومية الأولى وقبل بدء المعركة نادى أحد أفراد الشرطة العربية مطالباً "القسام" بالاستسلام فرد عليه "القسام": "إننا لن نستسلم، إننا في موقف الجهاد في سبيل الله ثم التفت إلى رفاقه وقال موتوا شهداء في سبيل الله خير لنا من الاستسلام للكفرة".. وبدأت المعركة التي سقط فيها 15 قتيلاً من قوات الأمن واستشهاد "القسام" وبعض رفاقه، فيما اعتقل الأحياء وتم تقديمهم للمحاكمة، وحكم عليهم بالسجن لمدة تتراوح بين عامين وخمسة عشر عامًا.

وقد تحول "القسام" بعدها إلى رمز للجهاد، وأطلقت حركة حماس اسمه على جناحها العسكري المعروف الآن بـ"كتائب الشهيد عز الدين القسّام" والتي ولدت بعد استشهاده بـ32 عاماً كاملة، وربما لا يكون "القسّام" استطاع إنهاء الوجود الصهيوني في فلسطين، لكن استشهاده هو الذي أشعل الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 وهو الذي تسبب في بقائه حتى يومنا هذا رمزاً للمقاومة.


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني