سارة محمد شحاتة

هناك في الفرنسية تعبير فريد من نوعه وهو يصف بدقة استغلال شخص أو شيء أو مورد لأبعد الحدود وسلبه كل شيء برضاه التام..هذا المصطلح هو "vache a lait" وترجمته الحرفية للعربية هو .."بقرة حلوب"!
و كون الإنسان "vache a lait" أو بقرة حلوب يعني أنه من السذاجة وضيق الأفق في التفكير حيث أصبح فريسة رائعة للمستغلين يبتزونه ويجردونه من ثرواته شيئا فشيئا وهو راض ويبتسم ابتسامة وديعة بينما أوشك على الإفلاس!.. ولكن شرطا ليتم ذلك أن يكون برضاه.. فالبقرة لا تعطي لبنها إلا برضاها ودون سلب كيلا تقابلك بعنف.. وكذلك فلكي تسلب هذا الشخص الساذج موارده لا بد من مداهنته ونفاقه وتملقه وتعدد مزاياه التي لا وجود لها أصلا، وتسرد خصاله الرائعة والصفات البديعة بشخصه وكل ذلك لا أساس له من الصحة بطبيعة الحال لكن محيطيه يدركون سذاجته وفرحه بمن ينافقه، لذلك يضغطون على هذه النقطة بقوة مستفيدين مع كل كلمة نفاق من ثرواته وخبراته التي يبعثرها ذات اليمين وذات اليسار لمجرد أنه سمع ما يريد سماعه من صفات جميلة ومواهب أجمل لديه رغم أنه يعلم تمام العلم خلو شخصيته من كل ما يردده المتملقون، لكنه يفرح كشخص - به قدر لا بأس به أبدا من البلاهة- بهذا الكلام اللطيف بصدده، فيغرق الأفاقين حوله بأمواله وممتلكاته وهم كالضباع يبتسمون في مكر، ويتنافسون فيما بينهم على من ينافقه أكثر ليحظى بقدر أكبر من أمواله.
وعندما ينتهي من حوله من حلبه ويقضون على آخر قطرة لبن لديه فهو يلقي كحذاء بال في الطريق دون أن يلقي أحدهم نظرة عليه بعدها.. فلقد أتم دوره الذي اتخذه لنفسه وكونه بلا فخر "بقرة حلوب" وانتهت موارده وأمواله ولم يعد يجد الأفاقون حوله فائدة من الاستمرار في تملقه بعد أن سلبوه كل ما لديه فأصبح كارتا محروقا وعبئا ثقيلا، أول شيء سيفعلونه هو التخلص منه والاستهزاء به وبسذاجته.. وبالطبع لا يخفى على أحد الأمثلة العديدة لهذه البقرة الحلوب في حياتنا.. فنحن نفرح بشدة عندما يتم إطراؤنا من أحد الأشخاص ونجد كل مسئول في بلدنا محاطا بجماعة لا بأس بعددها من المنافقين الذين لا وظيفة لهم سوى مدحه وتبجيله وترديد محاسنه وأفضاله وأمجاده بانتظار ما يلقي لهم من عطايا وهبات ومصالح في مقابل هذا النفاق الذي يسعده ويمتعه رغم أنه يعلم أنه لا يملك ولو صفة واحدة من التي تنهال على رأسه!.. لكنه ربما ساوره الشك في نفسه أنها تملك من المزايا ما لا يراه هو نفسه و يراه حوله من الأتباع المخلصين!
كما أن هذه الخصلة في موروثنا منذ القدم منذ أن كان السلاطين والملوك يحاطون بالشعراء من حولهم الذين ينشدون الأشعار التي تمجدهم وتعدد صولاتهم وجولاتهم ومهاراتهم القتالية الفريدة رغم أنه قد يكون متخما مترهلا لا يقدر على الحركة من ضخامة حجمه الذي ساعدت سنوات الراحة والرفاهية على تكوينه! ورغم ذلك يفرح بشدة عندما يمتدحه أحدهم ويعدد قوته ومهارته القتالية!.. وهذا ما أدى إلى تأصل غريزة النفاق داخل النفوس حتى يومنا هذا لأنه هناك دائما من يقوم بدور البقرة الحلوب الضحوك التي تسلب لبنها في غفلة وهي ضاحكة ولأن هناك متملقين لا حصر ولا عدد لهم يعرفون جيدا شخصية من أمامهم ويستلبونه شيئا فشيئا..
وعلى الجانب الأوسع تراه واضحا في الحال العربي الفذ الذي نعيشه حاليا فنحن الآن من أروع من تقمص دور البقرة الحلوب بإخلاص! نفرح لمن ينافقنا متحدثا عن حكمة العرب وشجاعتهم ونفرح عندما يشيد الغرب بنبذنا للعنف ونشير معهم بأصبع الاتهام للفلسطينيين الذين يريدون تحرير أرضهم وننتظر في لهفة إشادة الغرب بنا ولأنهم يدركون جيدا مفاتيح عقولنا فيرمون لنا بفتات الكلام المعسول اللطيف، وبعدها يبدأ الحلب كما يجب! فنفتح لهم آبار البترول ومواردنا وثرواتنا تحت غطاء الاستثمار وكلما زاد المديح زاد الحلب والاستلاب ونحن في غاية الفرح والسعادة لأننا مرضيّ عنا خشية أن يحل علينا الغضب فنقدم ما لدينا من ألبان وزبادي وجبن لنتحاشى ذلك! بل ونظهر على الشاشات مبتسمين مقهقهين!
كما ترى ذلك في فرحنا الساذج بمن يشيد بدور مصر الريادي في أي مجال حتى لو كان في مجال سدادات البلاعات! وترى دائما المذيع يمسك بتلابيب السائحين يكاد يتوسل لهم أن يمتدحوا مصر وجوها وشعبها ونيلها وهرمها فيقول السائح ما يريده على مضض وهو لا يكاد يصدق هذه السذاجة.. وهو ما سمعته من إحدى المدرسات الفرنسيات في مدرستي قديما عندما كانت مندهشة من إصرار كل من يقابلها على سؤالها ما رأيها في جمال جو مصر وعظمة آثارها وطيبة شعبها! وهو بذلك حدد لها الصفات مسبقا فعن أي رأي إذن يسألها!..بل وتكاد ترى الفرحة الباهرة في أعيننا عندما نسمع كلمة مديح بحقنا فنكاد نهدي السائحين مسلة أو هرما هدية!. وهو ليس غريبا علينا بأي حال والدليل مسلتنا القائمة في ميدان الكونكورد بفرنسا!
ويظل المحلوب سعيدا لا يشعر بالخطر القريب ولا بقرب انتهاء ما يملك لكنه مستسلم إلى الخدر والمتعة التي يحسها جراء تتابع كلمات التملق والمداهنة التي يدفع ثمنها أضعافا خيالية.. وعندما يدرك أحد نقطة ضعفك فإنه لن يتوانى عن استغلالها كما يجب ولكن مع إفهامك أنك الرابح ومع مزيد من الكلام المعسول الذي يمجد فيك حتى تصدق نفسك وتمنحه أصولك وأملاكك وأراضيك عن طيب خاطر.. فعندها لا تحزن عندما يطلبونك في إعلانات الجبنة لتمتع المشاهدين بابتسامك الساحرة!


