history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

دعاء سمير

بعد أن استفحلت سيارات الأجرة ماركة "الترامكو" تصنيع وجمع وترقيع مصري مائة بالمائة، وبعد أن تكدست القاهرة الكبرى بقاطنيها وضيوفها ولم يعد يكفينا ويكفيهم المواصلات والمترو، وبعد أن وصلت إلينا السيارات ذات التهوية -مكيفة يعني- بعد اختراعها بعشر سنين، خصصت هيئة النقل العام أتوبيساً طويل القامة، عالي الجبهة، وعريض المنكبين لتجعله مكيفاً وذا ستائر وزجاج فاميه يحجب الشمس الحامية. ولتمييزه عن الأتوبيس العام الغلبان والذي يتبع نفس الهيئة، أطلق عليه اختصار اسم الهيئة بالإنجليزي فشاع أن الـC.T.A تعني الأتوبيس المكيف!

ولأن الجنيهين وهي سعر تذكرته كانت تعني الكثير، قبل التعويم، -تشتري بها 2 كيلو ونصف أرز على سبيل المثال-، كان ركابه من علية القوم عُمراً وخـُلقاً ومظهراً، حتى حدث التعويم فكان الغرق على كذا مستوى.

كان من المتعارف والمتفق عليه، والمُباح شرعاً وعُرفاً أن يجلس كل راكب على كرسيه -فقط- لوحده. اللهم إلا الأم التي تصحب طفلها ولأنه صغير يكون بحاجة لمن يسنده حتى لا يقع. وكان من المتعارف عليه والمنطقي أيضاً أن يحتفظ كل راكب بأعضائه مع بعضها كما هي، فلا نرى يد أحدهم ممتدة من بين الستائر، ولا نجد يداً تخرج من بين قميص مـَنْ بجانبه بغض النظر عن النوع/Gender، أو ذراع أحدهم نراه عند قدم أخرى، ورأس إحداهن على كتف آخر، ولا يمر أحدنا على أي كرسيين فنجد فتاة قد اتخذت من ذراع من بجانها حزام أمان أو حزاماً للظهر أو للوسط أو للـ.... حسب مكان الألم!

هذا بل وأكثر، ما حدث...
ومنذ أن صاحبني أنا وأغلب فريق تحرير "بص وطل" بظله الخفيف نادراً والثقيل غالباً، وبرائحته المكتومة دائماً والنفاذة أحياناً، صار معتاداً وإن كان لا يزال غير مألوف مشاهدة أعمالاً من الجرتسك Grotesque وهي قطعة من الفن تحتوي أشكالاً بشرية وحيوانية غريبة أو خيالية متناسجة عادة مع رسوم أخرى مما يحيل كل ما هو طبيعي إلى بشاعة أو تشوه أو كاريكاتير، لكن المناظر امتدت من الأطراف التي لا تستقر مكانها حتى طالت منظومة الأخلاق العامة.

وكان الاسم الحركي لتلك المناظر "حب تحت الكنبة". لكن عوامل التعرية عصفت بالاسم الحركي، فمسحت كلمة "حب" لأن ما نراه لا علاقة له بالحب إنما رغبة وقحة سافرة. وظلت ترفع كلمة "تحت" بسرعة فصارت "فوق".. أما "الكنبة" فقد أخذت أشكالاً أخرى؛ من "كنبة" عادية في آخر الأتوبيس المكيف، إلى كرسيين في منتصفه، إلى العشبة الخضراء التي تفصل بين ضفتي جامعة شمس ويمر عليها الناس وبجانبها السيارات، إلى الرصيف العالي في الموقف والذي لا يتفق مع المواصفات العالمية للرصيف. واستمرت التحولات في أشكال الـ"كنبة" وتنوعت ولم تعد تقتصر على الأماكن الخاصة والعامة المخصصة للجلوس والنوم! لكن لم يكن من المتخيل أبداً إطلاقاً أنها قد تأخذ يوماً شكل درجتي السلم الموجودتين داخل مبنى قسمي الحبيب، قسم آداب إنجليزي، بكلية الآداب جامعة القاهرة!!

لكنه قد كان... وكانت "آداب" المشهد مكتملةً ولا ينقصها سوى أن أقترب لأسمع التأوهات بوضوح. رغم أن الجو كان حاراً رطباً بافتراء، وكانت نسمة الهواء، إن وجدت، تعـلّ -من العلة يعني تمرض- من لفحتها. ومن المفترض أن تكون النفوس إما زهقانة، أو خائفة لأننا في امتحانات. وبهو القسم مزدحم بالدسكات الخشب المتربة التي سنمتحن عليها وتتسخ إجاباتنا، وأوراق معلقة بأسماء من لم يقدموا بعد أوراق أبحاثهم في بعض المواد، وأنا منهم للأسف! على أية حال، لم تكن الأجواء سواء الجو أو الظروف تسمح بأي نوع من الالتصاق.

لكن الالتصاق كان بالفعل حادثاً ومكتملة آدابه في كلية الآداب: هو يجلس على كرسي منخفض، وهي في الأسفل تتلوى جالسة على درجتي السلم، ولأنني من ذوات الوجه الأحمر، ولأنني كنت قررت فيما قبل ألا أكمل قراءة "شيكاجو" بعدما قرأت 40 صفحة، لا أعرف جرأة ومفردات وأسلوباً لأصف ما رأيت.

السؤال الآن... هل مشاهد الجرتسك ورغبة فوق الكنبة صارت عادية؟؟
ألا يوجد ما نقوم به؟

ألا يوجد تشريع أو قانون يحمي المرهفين والمستحين ومن يعرفون العيب والحرام؟

أنا قمت بما عليّ وسأظل.. بدءاً من النظر في عيني البنت -مجازاً- بشراسة وقرف لردعها، ثم حشر قدمي الطويلة نسبياً في كرسي الأتوبيس المكيف لتمتد وتثقب ظهري "الذئب والمغفلة"، أو "الراغب والموافقة" فيتضايقان، أو الاستغفار والتأفف بصوت عالٍ فلا يرتدعان أيضاً وقد ينظر أحدهما لي شذراً وكأني المذنبة، مروراً بالمرات التي فاض بي الكيل فحقنتهما بكلمة قصيرة مهذبة وربنا ساترها معي حتى الآن. لحد ما استنفدتُ كل الوسائل المتاحة لبنوتة مثلي، واستعنتُ بالتواصل بالعينين مع من حولي من كبار السن ليستردوا هيبتهم المفقودة ويقوموا بدورهم الذي تنازلوا عنه.

وأخيراً، استعنتُ بسائقي الـC.T.A وفيهم رجال كبار محترمون وكانت الصدمة مرة لما رد عليّ الرجل بضيق: "وأنا مالي".. وأخيراً كانت الصاعقة لما قال آخر:
"وأنا أعمل إيه يا بنتي تاني؟! ياما اتكلمت، ومش عايز اللي حصل يحصل تاني.. وشكيت في الرقابة قالوا لي وإنتَ مالك؟ مالكش دعوة"!! ولما سألته عن اللي حصل، كانت المصيبة إن -المتواطئين وأصحاب الرغبات المحتقنة- "زعقوا لي واتهموني بالكذب وإني باتبلى عليهم... ده إذا طلعوا مؤدبين يا بنتي".. وسكت الرجل ولم أطلب منه أن يكمل. كان صمته مؤلماً ومهيناً، ولم أكن أثق في رد فعلي.. فقد بدا أن المسكوت عنه أكبر من كلامه ومن سني. وظل يدعو لي بالحفظ والسلام ولم يتحرك إلا لما عبرت الشارع.

من ساعتها، كلما أصعده ذلك المدعو الـC.T.A، صرت أقول: "أعوذ بكلمات الله التامة من شر كل شيطان وهامــّة"، وأكتفي من دعاء الركوب بـ"اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب"!

طيب في ذمتكم -وأنا راضية بها خصوصاً إذا كنتم من معارضي "البتاع فوق الكنبة" أو كنتم من أنصاره وتبتم أو ناويين إن شاء الله.. إيه رأيكم؟ ينفع إن كل واحد يقول "أنا مالي"؟

لو فضلنا نقول "أنا مالي"، كيف سنربي أولادنا إن شاء الله ونضمن لهم بيئة صالحة؟

نعمل قانون يحرم تحريك الأطراف وزرع الأعضاء في الأماكن العامة؟!
ولا نعمل مرآة كبيرة وعريضة بعرض زجاج الـC.T.A لتكشفه حتى الكنبة الأخيرة؟!

طيب، ماذا عن التحولات الأخرى للـ"كنبة" التي في الشارع والجامعة والمدرجات وعلى الرصيف؟

ولاّ إيه رأيكم نعمل مرايات جوانا تعكس الضمائر والنوايا وتقيس مؤشر الأخلاق.. ونقدم بها تقريراً لنادي القضاة أول كل شهر طالما إن اللي اختشوا من ربنا ماتوا؟؟!


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني