history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

بدر حسن شافعي
باحث متخصص في الشئون الإفريقية

أثار تطبيع العلاقات الإسرائيلية - الموريتانية بصورة كاملة في الثامن والعشرين من أكتوبر عام 1999 جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية داخل موريتانيا، ولا يزال هذا الجدل مستمراً إلى الآن، وكان أحد أبرز القضايا التي أثيرت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي شهدتها البلاد في مارس 2007، والتي أسفرت عن فوز "سيدي ولد الشيخ عبد الله" (فاجأ "ولد الشيخ" الجميع في أول تصريح له نشر بجريدة الأهرام 27 مارس 2007 أنه لن يتخذ قراراً منفرداً بقطع العلاقات مع إسرائيل، وإنما لا بد من استشارة البرلمان ومنظمات المجتمع المدني أوّلاً). وهو الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات بعضها يرتبط بأسباب تمسُّك موريتانيا بعلاقاتها مع إسرائيل من ناحية، وفي المقابل أسباب حرص تل أبيب على إقامة علاقات دبلوماسية معها.

أسباب التوجه الموريتاني نحو إسرائيل

هناك مجموعة من العوامل ساهمت جميعها في اتخاذ الجانب الموريتاني أيام حكم الرئيس "معاوية ولد سيدي أحمد الطايع" هذا القرار الذي سار على نهجه المجلس العسكري الذي حكم البلاد من أغسطس 2005 - أبريل 2007، والرئيس الحالي "سيدي ولد الشيخ عبد الله". هذه الأسباب يمكن إجمالها فيما يلي:

1. الأزمة الاقتصادية الداخلية التي مرت بها موريتانيا في حينها ولا تزال تعاني منها إلى الآن (تبلغ نسبة الفقر حالياً أكثر من 46% من إجمالي السكان في حين تزيد نسبة الأمية عن 60%). ولقد سعت موريتانيا إلى مناشدة الدول العربية لتقديم الدعم لها، لكنها لم تستجب.

2. توتر العلاقة مع فرنسا -الدولة المستعمرة الأم- والتي تعد الدولة الأولى في تقديم المساعدات لها (يبلغ حجم هذه المساعدات 100 مليون دولار سنوياً). هذا التوتر يرجع إلى أسباب عديدة منها دعم فرنسا للسنغال عام 1989 أثناء صراعها مع موريتانيا من ناحية، ثم موقف موريتانيا المؤيد لغزو "صدام حسين" للكويت عام 1990، وثالثها يرجع لملف حقوق الإنسان في البلاد، وهي النقطة التي اتخذتها باريس ذريعة لقطع معونتها عنها.

3. رغبة موريتانيا في توطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة كبديل عن فرنسا، ويمكن أن يتم ذلك عبر إسرائيل؛ خاصة أن واشنطن كانت ترفض إقامة علاقات طبيعية معها؛ بسبب ملف حقوق الإنسان.

4. توتر العلاقات الخارجية بين موريتانيا ودول الجوار العربي والإفريقي، فالاتحاد المغاربي (الذي يضمها بالإضافة لكل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) معطّل بعد قرار المغرب تجميد عضويتها به بسبب قضية الصحراء الغربية، وتأييد موريتانيا والجزائر لجبهة البوليساريو التي اعترفت بها نواكشوط. وعلى صعيد دول الجوار الإفريقي هناك خلافات مع جارتها الجنوبية السنغال فيما يتعلق باستغلال مياه نهر السنغال، فضلاً عن الخلافات التي تحدث؛ بسبب سوء معاملة كل نظام لرعايا الدولة الأخرى.

أسباب اهتمام إسرائيل بموريتانيا

أما إذا انتقلنا إلى أسباب اهتمام إسرائيل بتطبيع العلاقات مع موريتانيا، فنجدها تكمن في النقاط التالية:

1. سعي تل أبيب لخلخلة الصف العربي، وإحداث مزيد من الانقسامات به؛ خاصة بعدما بدا بعد انتفاضة الأقصى الثانية (سبتمبر 2000) وجود رغبة عربية في معالجة مثل هذه الانقسامات. ومن هنا يمكن فهم أسباب وصف رئيس الوزراء السابق "إريل شارون" موريتانيا في حينها بأنها دولة شجاعة، خاصة وأنها لم تسحب سفيرها من تل أبيب بسبب أحداث الأقصى مع العلم بأن سحب السفير لا يعني قطع العلاقات، لكن حتى هذه الخطوة لم تقدم عليها.

2. الموقع الاستراتيجي الحيوي لموريتانيا في شمال غرب إفريقيا؛ فهي نقطة التقاء بين شمال القارة العربي وجنوبها الإفريقي، كما أنها نقطة التقاء هامة بين إفريقيا والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن موقعها المتميز على المحيط الأطلنطي.

3. الرغبة في دفن النفايات النووية الإسرائيلية في صحرائها الواسعة بعيداً عن الأضواء -خاصة في صحراء النجابات- وهي القضية التي أثارت جدلاً كبيراً في موريتانيا، ولم تفلح مظاهرات المعارضة في حمل النظام على قطع هذه العلاقات.

4. الرغبة في الحصول على بعض المواد الخام منها مثل مادة الليثيوم التي تدخل في الصناعات الحربية، ومادة ليثيوم ديترويد - 2 التي تعدّ أحد العناصر الهامة في صناعة القنابل النووية.

ولهذه الأسباب حرصت إسرائيل على تطبيع العلاقات مع موريتانيا والتي لعبت أسبانيا والولايات المتحدة دوراً هاماً في وصولها إلى مرحلة التطبيع الكامل، فقد بدأت المرحلة الأولى للتطبيع بعد توقيع اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل عام 1993، حيث كانت الاتصالات تتم من خلال أسبانيا، وتوِّجت هذه الاتصالات في نوفمبر عام 1996 بتوقيع اتفاق ينص على فتح أقسام لرعاية المصالح بينهما داخل السفارة الأسبانية في كل من نواكشوط وتل أبيب. وقد تحولت هذه الأقسام بعد ذلك إلى مكتبين مستقلين عن السفارة الأسبانية.

وبعد ذلك جاء الدور الأمريكي في استكمال عملية التطبيع؛ حيث قامت وزيرة الخارجية الأمريكية في حينها "مادلين أولبرايت" بعقد لقاء جمع بين نظيرها الإسرائيلي في حينها "ديفيد ليفي"، وممثلي عدد من الدول العربية من بينها موريتانيا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 1998) بهدف تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وبعدها تمت اتصالات سرية بين الجانبين، وفي السادس والعشرين من أكتوبر 1999 -أي قبل توقيت اتفاق التطبيع الكامل بيومين- استدعت "أولبرايت" نظيرها الإسرائيلي، وظن المحللون أن الهدف من الاستدعاء هو التمهيد لعقد قمة أوسلو الثلاثية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، والرئيس الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات"، والرئيس الأمريكي "كلينتون"، والتي كان مقررا عقدها في الثاني من نوفمبر، لكن كان الهدف الحقيقي من الاستدعاء هو وضع اللمسات الأخيرة للتوقيع على اتفاق التطبيع مع موريتانيا التي تعد إحدى الدول الرئيسية في المشروع الأمريكي المعروف باسم "عبر الساحل الإفريقي"؛ لمكافحة الإرهاب في منطقتي شمال وغرب إفريقيا، لذا سعت الإدارة الأمريكية في حينها لرعاية تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع موريتانيا؛ لكسب ودها في حربها العالمية ضد الإرهاب. ولعل هذه الرعاية الأمريكية هي التي تجعل النظم الحاكمة في موريتانيا تفكر كثيراً في قضية قطع العلاقات مع إسرائيل؛ لأن قطع هذه العلاقات لن يقتصر على تل أبيب فحسب، وإنما سيمتد إلى واشنطن التي تحتاج إليها هذه الأنظمة؛ لتثبيت دعائمها ليس في الداخل فحسب وإنما في الخارج أيضا..


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني